في يونيو/جوان 2026، صادق البرلمان المغربي على مشروع القانون رقم 09.26 المتعلق بإعادة تنظيم المجلس الوطني للصحافة. ويأتي هذا القانون بعد مسار تشريعي مطوّل، إذ أُحيل مشروع القانون السابق رقم 26.25 إلى المحكمة الدستورية إثر الطعن فيه من قبل عدد من أعضاء البرلمان. وفي يناير/جانفي 2026، قضت المحكمة بعدم دستورية عدد من مقتضيات المشروع، مما دفع الحكومة إلى تقديم نسخة معدلة.
وطوال هذه العملية، واجه مشروع الإصلاح انتقادات متواصلة بسبب غياب مشاورات حقيقية وشاملة مع أصحاب المصلحة، إلى جانب المخاوف بشأن مدى اتساقه مع المعايير الدولية المتعلقة بحرية الصحافة. وبعد مصادقة البرلمان على المشروع، لا تزال منظمة المادة 19 تشعر بقلق إزاء مضمونه، فضلاً عن محدودية إشراك الصحفيين والصحفيات، والمؤسسات الإعلامية، ومنظمات المجتمع المدني، وهو ما قد يقوض فعالية المجلس الوطني الجديد للصحافة وشرعيته باعتباره آلية مستقلة للتنظيم الذاتي لقطاع الإعلام.
عملية تشريعية معيبة ومجلس وطني للصحافة مُقوَّض الاستقلال
يُبقي مشروع القانون رقم 09.26 على آلية الانتداب في تعيين بعض أعضاء المجلس الوطني للصحافة. ولا تزال منظمة المادة 19 تشعر بالقلق، وتؤكد أن هيكل التعيين المقترح قد لا يستوفي بالكامل المتطلبات التي تكرسها المعايير الدولية، والتي تؤكد أن مصداقية وفعالية أي مجلس للصحافة تعتمد على إجراءات تعيين تتسم بالشفافية، والمشاركة، والاستقلال عن التأثير السياسي. وانسجاماً مع مبادئ التنظيم الذاتي، ينبغي أن يُنتخب أعضاء المجلس حصراً من قبل المهنيين العاملين في قطاع الإعلام وممثلي منظمات حقوق الإنسان وجمعيات حماية المستهلك ذات الصلة.
كما تجدد منظمة المادة 19 تأكيد مخاوفها بشأن منح المجلس الوطني للصحافة صلاحية فرض عقوبات ذات طابع زجري. فالتنظيم الذاتي، القائم على ترسيخ أفضل الممارسات المهنية، يقتضي الفصل الواضح بين الدور التنظيمي للمجلس وأي سلطات عقابية، بما يضمن استقلاليته ويحافظ على طبيعته كآلية للتنظيم الذاتي.
وفي المقابل، ترحب منظمة المادة 19 بعدد من التعديلات الإيجابية التي جاء بها القانون، من بينها تحقيق التمثيل المتساوي بين الصحفيين والناشرين، وإلغاء المقاعد المخصصة للناشرين، واعتماد نظام للتمثيل النسبي لمنظمات الناشرين المهنية. غير أن هذه التحسينات لا يمكن تقييمها بمعزل عن السياق والمسار التي اعتُمدت من خلاله.
وطوال مسار الإصلاح، دعا الصحفيون والصحفيات ومنظمات المجتمع المدني مراراً إلى إجراء مشاورات حقيقية وشاملة بشأن مستقبل المجلس، منتقدين محدودية انخراط الحكومة مع الجهات الفاعلة الرئيسية في قطاع الصحافة. وترى منظمة المادة 19 أن هذا الإخفاق يثير قلقاً بالغاً، لأن فعالية ومصداقية أي آلية للتنظيم الذاتي تعتمدان، في نهاية المطاف، على شعور المهنة بملكيتها لهذه الآلية وثقتها فيها.
ومن ثم، فإن اعتماد القانون في سياق اتسم بعزوف واسع من جانب المهنيين في قطاع الإعلام يثير قلقاً عميقاً، ليس بوصفه مسألة إجرائية ثانوية، بل باعتباره مؤشراً على أوجه قصور جوهرية في مسار الإصلاح تتعارض مع جوهر التنظيم الذاتي، الذي يقتضي أن يتولى العاملون في قطاع الصحافة، بصورة مستقلة ومن دون تدخل حكومي مباشر، وضع معاييرهم الأخلاقية، وإقرارها، وإنفاذها.
وبناءً على ذلك، تخشى منظمة المادة 19 أن يُنظر إلى المجلس الوطني للصحافة باعتباره مؤسسة فُرضت من أعلى السلطة، بدلاً من كونه هيئةً حقيقيةً للتنظيم الذاتي نابعة من القطاع، مما يهدد بإقامة مؤسسة تظل شرعيتها محل نزاع، وتضعف قدرتها بصورة كبيرة على القيام بدورها بفعالية.
إنجازات عقد من التنظيم الذاتي مهددة بالتراجع
لا يمكن فهم أهمية مشروع القانون الجديد هذا إلا في سياق عقدٍ كامل من تنظيم قطاع الصحافة وما اعتُبر في حينه إنجازاً مهماً. فقد أُنشئ المجلس الوطني للصحافة سنة 2016 بموجب القانون رقم 90.13، وكان يُنظر إليه على نطاق واسع باعتباره محطة بارزة، ليس فقط بالنسبة إلى المغرب، وإنما أيضاً بالنسبة إلى المنطقة ككل، حيث لا تزال هيئات التنظيم الذاتي لقطاع الإعلام نادرة للغاية. ورغم ما شاب المجلس من أوجه قصور معروفة، من بينها إنشاؤه بموجب قانون بدل أن يكون هيئة مستقلة بالكامل، فقد مثّل خطوة مهمة نحو تعزيز حرية الصحافة وترسيخ المعايير الأخلاقية للمهنة.
غير أن هذا التقدم بدأ يتعثر عقب انتهاء الولاية الأولى للمجلس الوطني للصحافة سنة 2022، والتي لم تُجدد. وتفاقمت نقاط الضعف الهيكلية القائمة نتيجة فترة طويلة من الجمود المؤسساتي، إذ حالت عراقيل إدارية وسياسية دون تنظيم انتخابات جديدة. وعقب ذلك، مددت الحكومة ولاية المجلس لمدة ستة أشهر، قبل أن تنقل صلاحياته، سنة 2023، إلى لجنة مؤقتة أُنيطت بها مهمة الإشراف على قطاع الصحافة والنشر لمدة عامين، وذلك بموجب القانون رقم 15.23. وقد أعربت منظمات حقوق الإنسان عن قلقها إزاء عدد من مقتضيات هذا القانون، محذرة من أنها تنطوي على تدابير تراجعية من شأنها تقويض ما تحقق من تقدم في مجال التنظيم الذاتي لقطاع الإعلام، والإضرار بحرية الصحافة.
وعندما استؤنف مسار الإصلاح سنة 2025، بدأ باعتماد مشروع القانون رقم 26.25، الذي أثار بدوره مخاوف لدى الصحفيين والصحفيات ومنظمات حقوق الإنسان بشأن عدد من المقتضيات التي قد تمنح الحكومة قدراً أكبر من السيطرة على قطاع الإعلام، فضلاً عن المخاوف المتعلقة باستقلالية المجلس الوطني للصحافة. وقد اعتُبر المشروع على نطاق واسع انتكاسة خطيرة لحرية الصحافة وحرية التعبير. يمكن الاطلاع على بيان منظمة المادة 19 هنا.
وعقب الطعن التي تقدم بها عدد من أعضاء البرلمان، أُحيل المشروع إلى المحكمة الدستورية، التي قضت في يناير/جانفي 2026 بعدم دستورية عدد من مقتضياته. وعلى إثر ذلك، قدمت الحكومة نسخة معدلة من المشروع، حملت الرقم 09.26.
وعند النظر إلى الصورة الأشمل، يتضح أن مشروع القانون الجديد، إلى جانب المسار الذي اعتُمد من خلاله، يمثلان خطوة إلى الوراء، ليس فقط بالنسبة إلى تنظيم قطاع الصحافة في المغرب، وإنما أيضاً بالنسبة إلى مننطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. فقد كان المجلس الوطني للصحافة في المغرب واحداً من الهيئات القليلة للتنظيم الذاتي للإعلام في المنطقة، وشكل نموذجاً مهماً، وإن لم يكن مثالياً، لتعزيز آليات التنظيم الذاتي في وقت لا تزال فيه حرية الصحافة واستقلالية وسائل الإعلام تواجهان تحديات جسيمة.
وبدلاً من تعزيز الأسس التي وُضعت سنة 2016 والبناء عليها، أفضى مسار الإصلاح إلى استحداث مواطن ضعف جديدة تهدد استقلالية ومصداقية نظام التنظيم الذاتي للإعلام في المغرب. كما قد تشكل هذه التطورات سابقة سلبية لجهود الإصلاح المماثلة في بلدان أخرى، وتُضعف المساعي الرامية إلى تعزيز حوكمة إعلامية مستقلة وخاضعة للمساءلة في مختلف أنحاء منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.