المغرب: تعزيز استقلالية المجلس الوطني للصحافة بعد قرار المحكمة الدستورية

المغرب: تعزيز استقلالية المجلس الوطني للصحافة بعد قرار المحكمة الدستورية - Media

Moroccan Parliament building, Rabat. Photo: Pilecka/Wikimedia

قضت المحكمة الدستورية في المغرب في الشهر الماضي بعدم دستورية عدد من مقتضيات مشروع القانون رقم 26.25، المتعلق بإعادة تنظيم المجلس الوطني للصحافة. وقد واجه مشروع القانون معارضة واسعة من قبل الصحفيين ووسائل الاعلام و منظمات حقوق الإنسان، نظراً لتأثيره المحتمل السلبي على حرية الصحافة في المغرب. وعقب قرار المحكمة الدستورية الصادر في 19 فبراير/ فيفري 2026، صادق مجلس الحكومة المغربي على مشروع قانون جديد رقم 09.26. ويؤديالنص الجديد عملياً إلى إعادة إطلاق المسار التشريعي، مع الحفاظ على الإطار العام لمشروع القانون السابق، مع مراعاة قرار المحكمة الدستورية. ومن المؤسف أن مشروع القانون الجديد رقم 09.26 قد أُعِدّ مرة أخرى دون إجراء أي مشاورات إضافية مع الفاعلين في قطاع الإعلام. كما نلاحظ أنه حتى بعد قرار المحكمة الدستورية، لا تزال هناك مخاوف بشأن عدد من المقتضيات. وتؤكد منظمة المادة 19  أن المراجعة المرتقبة من قبل البرلمان ينبغي ألا تقتصر على معالجة المقتضيات التي قضت المحكمة بعدم دستوريتها فحسب، بل يجب أن تشمل أيضاً إعادة نظر شاملة في القانون من خلال مسار تشاركي وشامل. 

في 22 يناير–  جانفي 2026، قضت المحكمة الدستورية (القرار رقم 261/26)، إثر إحالة من قبل عدد من أعضاء مجلس النواب، بضرورة تعديل عدة مقتضيات من مشروع القانون رقم 26.25 قبل دخوله حيز التنفيذ، حيث حددت المحكمة مواد بعينها اعتبرتها غير متوافقة مع الدستور. وسلّطت المحكمة الضوء، على وجه الخصوص، على المقتضيات المتعلقة بتركيبة المجلس الوطني للصحافة، ودور وصلاحيات لجنة الإشراف، وكذلك الصلاحيات الممنوحة لرئيس المجلس.وجاءت هذه الإحالة كملاذ أخير بعد أن عبّر الصحفيون والصحفياتوالنقابات ومنظمات المجتمع المدني مراراً عن مخاوفهم بشأن مضمون مشروع القانون، وكذلك بشأن غياب مسار تشريعي تشاركي حقيقي. وقد برزت هذه المخاوف في سياق أوسع من حالة عدم اليقين المؤسسي التي تحيط بالمجلس الوطني للصحافة وبوضع التنظيم الذاتي لقطاع الإعلام في المغرب منذ إحداث المجلس سنة 2016 بموجب القانون رقم 90.13. ورغم ما شاب هذا القانون من نقائص ملحوظة، فقد اعتُبر على نطاق واسع خطوة مهمة نحو تعزيز حكامة مستقلة لقطاع الصحافة. غير أنه منذ سنة 2018، وبشكل خاص بعد انتهاء الولاية الأولى للمجلس سنة 2022، تعرقل سير عمله بسبب التأخيرات الإدارية وحالة الجمود السياسي. 

استمرار غياب مسار تشاركي وشامل في مراجعة مشروع القانون 

ورغم أن المحكمة الدستورية لم تتناول جميع المخاوف التي سبق أن أبرزناها في بياننا بشأن مشروع القانون رقم 26.25 (ومنها ما يتعلق بصلاحيات المجلس في فرض العقوبات)، فإن مسار الإصلاح الذي أفضى إلى قرارها كان مع ذلك فرصة مهمة لتعزيز الإطار المؤسساتي المنظم للتنظيم الذاتي لقطاع الصحافة في المغرب. غير أن مجلس الحكومة المغربي صادق في 19 فبراير/فيفري 2026 على مشروع قانون جديد رقم 09.26، تماشياً مع قرار المحكمة. كما أكد وزير الاتصال سحب المرسوم الذي كانيهدف إلى إحداث لجنة انتقالية لتدبير القطاع، موضحاً أن شروط الاستعجال لا تبرر اعتماد مثل هذه الآلية الاستثنائية، وأن الإدارة الحالية ستواصل الإشراف على تسيير الشؤون اليومية خلال الفترة الانتقالية. 

ومع إحالة مشروع القانون رقم 09.26 إلى البرلمان، ترى منظمة  المادة 19 أن الحكومة المغربية أضاعت فرصة مهمة ليس فقط لمعالجة المقتضيات التي قضت المحكمة بعدم دستوريتها، بل أيضاً للاستجابة للمخاوف الأوسع التي أثارتها الأوساط الإعلامية ومنظمات المجتمع المدني. وحتى بعد قرار المحكمة، لا تزال عدة مقتضيات تثير الإشكال. ومع انتقال مشروع القانون إلى البرلمان، تسلط منظمة  المادة 19 الضوء على بعض المقتضيات التي تثير القلق في ضوء المعايير الأساسية للتنظيم الذاتي، والتي ينبغي مراجعتها ومواءمتها بالكامل مع الضمانات الدستورية والمعايير الدولية المتعلقة بحرية التعبير. ورغم أهمية القضايا الرئيسية التي أثرناها، فإن هذا التحليل لا يشكل في هذه المرحلة تقييماً شاملاً لمشروع القانون أو لقرار المحكمة الدستورية. 

 

ضمان استقلالية المجلس الوطني للصحافة 

يُتيح التنظيم الذاتي في قطاع الإعلام للمهنيين وضع معاييرهم الأخلاقية الخاصة والالتزام بها دون تدخل مباشر من الحكومة. ورغم أن المحكمة الدستورية أقرّت آلية الانتداب في تعيين بعض أعضاء المجلس، معتبرة أنها تندرج ضمن السلطة التقديرية للمشرّع وترافقها ضمانات قانونية، فإن منظمة  الماد 19 لا تزال قلقة من أن هيكلة التعيين المقترحة قد لا توفر في الممارسة العملية ضمانات كافية للاستقلالية. وتشدد المعايير الدولية المتعلقة بالتنظيم الذاتي في قطاع الإعلام على أن مصداقية وفعالية مجالس الصحافة تعتمد على إجراءات تعيين شفافة وتشاركية ومحصّنة من التأثير السياسي. كما تُظهر أفضل الممارسات في الأنظمة الديمقراطية أن مجالس الصحافة تكتسب شرعيتها عندما يتم اختيار أعضائها من خلال انتخابات يجريها المهنيون في قطاع الإعلام، أو عبر ترشيحات من جمعيات إعلامية تمثيلية، مع مشاركة فعّالة للمجتمع المدني وأعضاء مستقلين يمثلون المصلحة العامة. 

ورغم أن آليات التفويض لا تتعارض بالضرورة مع مبدأ الاستقلالية، فإنها تتطلب وجود ضمانات موازِنة قوية لمنع أي تأثير سياسي فعلي أو مُتَصوَّر. ولتعزيز ثقة الجمهور وضمان الامتثال لأفضل الممارسات الدولية، ينبغي أن يعطي الإطار التشريعي الأولوية لآليات اختيار شاملة يقودها القطاع نفسه، بحيث تشكل الانتخابات أو إجراءات الترشيح التشاركية الواسعة الوسيلة الأساسية لتشكيل المجلس. ورغم أن اعتماد آليات اختيار أكثر شمولاً ويقودها القطاع كان سيكون الخيار الأفضل، فإن منظمة المادة 19 ترحب بقرار المحكمة الذي أعاد جزئياً التوازن في تمثيل الناشرين داخل المجلس، من خلال تخصيص سبعة أعضاء تعيّنهم المنظمات المهنية وعضوين إضافيين تعيّنهما أكبر منظمة، لكنها تشير في الوقت نفسه إلى أن حصر تمثيل الصحفيين في سبعة أعضاء منتخبين فقط يظلّ، في المجمل، مُخلّاً بمبدأ التمثيل المتكافئ. 

وبالمثل، تدعم منظمة المادة 19ما خلصت إليه المحكمة الدستورية من أن المادة 49 من مشروع القانون رقم 26.25، التي كانت تسمح لمنظمة واحدة للناشرين بالهيمنة على جميع المقاعد، تُعد غير دستورية، نظراً لأنها تقوّض التعددية وتُقصي منظمات مهنية أخرى معترفاً بها قانوناً. 

الإشراف على أخلاقيات المهنة وصلاحيات المجلس الوطني للصحافة 

تتمثل المهمة الأساسية للمجلس الوطني للصحافة في ضمان الإشراف على أخلاقيات المهنة في قطاع الإعلام. وينبغي أن تكون له صلاحية فرض مساءلة معنوية، لا عقوبات زجرية. ورغم أن القانون السابق كان قد خوّل للمجلس اتخاذ تدابير عقابية، فإن مشروع القانون الحالي يوسّع من هذه الصلاحيات، بما في ذلك منح المجلس سلطة توقيف الصحف أو المنشورات لمدة تصل إلى 30 يوماً دون موافقة قضائية. 

وتعتمد شرعية وفعالية التنظيم الذاتي على الاستقلالية والتركيبة التمثيلية الواضحة وتحديد ولاية أخلاقية دقيقة. كما ينبغي أن تستمد هذه المنظومة سلطتها من المصداقية المهنية والمساءلة بين الأقران، وليس من سلطات زجرية. ولذلك، ينبغي أن يركّز المجلس على تعزيز المعايير المهنية ومعالجة الشكاوى من خلال تدابير مساءلة معنوية. 

ورغم أن المحكمة الدستورية استندت إلى مبدأي الحياد والاستقلالية عند مراجعتها للمقتضى الذي يضم رئيس لجنة الأخلاقيات إلى لجنة الطعون التأديبية، فإنه من المؤسف أنها لم تتناول بشكل كامل الإشكال الأوسع المتعلق بسلطة المجلس في فرض عقوبات زجرية. وتؤكد منظمة  المادة 19 أن التنظيم الذاتي الحقيقي يقتضي فصلاً واضحاً عن السلطة العقابية، بما يضمن استقلالية المجلس ومصداقيته وتماشيه مع المعايير الدولية المتعلقة بحرية التعبير. 

مراجعة البرلمان كفرصة أخيرة 

افتقر اعتماد مشروع القانون رقم 26.25 إلى مشاورات حقيقية مع الصحفيين والناشرين ومنظمات المجتمع المدني. وتشكل مراجعة المحكمة الدستورية فرصة مهمة لمعالجة هذا القصور. ومع مصادقة الحكومة على مشروع القانون رقم 09.26، تبرز فرصة أخرى خلال المراجعة المرتقبة في البرلمان لتجاوز الاكتفاء بمعالجة المقتضيات التي رفضتها المحكمة، والانخراط في إعادة نظر شاملة لمشروع القانون. وينبغي أن يكون هذا المسار تشاركياً بشكل حقيقي، يجمع الصحفيين والناشرين ومنظمات المجتمع المدني وجماعات حقوق الإنسان. 

كما يجب أن يشمل مراجعة معمّقة للمقتضيات التي أثارت مخاوف، بما يضمن أن يوفّر القانون المعدّل حماية لحرية الصحافة، ويكفل التعددية الإعلامية، ويعزز استقلالية ومصداقية المجلس الوطني للصحافة، مع مواءمته مع أفضل الممارسات الدولية في مجال التنظيم الذاتي.