بمناسبة اليوم العالمي لحرية الصحافة، تُعرب منظمة «المادة 19» عن قلقها البالغ إزاء الهجمات المتواصلة والتدهور المستمر لأوضاع حرية الصحافة والإعلام في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. ولا يزال الصحفيون والصحفيات في فلسطين ولبنان يتعرضون للاستهداف والقتل في ظل مناخ من الإفلات التام من العقاب. كما تواصل السلطات تقييد المجال الإعلامي عبر قوانين تتعارض مع التزامات دولها في مجال حقوق الإنسان، إلى جانب استخدام المضايقات القضائية والإجراءات الإدارية للحد من التغطية الصحفية المستقلة. وفي مختلف أنحاء المنطقة، يؤدي ضعف أو غياب هيئات تنظيم الإعلام والتنظيم الذاتي الفعّالة إلى تآكل آليات الرقابة، وزيادة الهشاشة، وإضعاف حماية الصحفيين والصحفيات، وتدهور البيئة العامة لحرية الصحافة. ويواجه الصحفيون المستقلون والمؤسسات الإعلامية المستقلة، لا سيما تلك التي تغطي قضايا ذات مصلحة عامة، ضغوطاً متزايدة بسبب عملهم. ولا تستهدف هذه الممارسات العاملين في الإعلام بشكل فردي فحسب، بل تُسهم أيضاً في تقويض التعددية الإعلامية واستقلالية وسائل الإعلام، بما يهدد حق الجمهور في الوصول إلى المعلومات.
استهداف الصحفيين والصحفيات الذين يغطّون الحروب في المنطقة
منذ بدء حرب إسرائيل على غزة عام 2023، ثم توسّعها إلى لبنان، استهدفت قوات الاحتلال الإسرائيلي الصحفيين والصحفيات بشكل متكرر، في محاولة لإسكات تغطياتهم الصحفية ضمن بيئة تتسم أساساً بانعدام المساءلة.
ومع اندلاع الحرب بين إسرائيل والولايات المتحدة من جهة وإيران من جهة أخرى، يواجه الصحفيون والصحفيات في مختلف أنحاء المنطقة أعمال عنف واعتداءات وعمليات اعتقال وترهيب وقتل بشكل متكرر، إلى جانب محاولات أخرى لقمع حرية التعبير وتضييق مساحة تداول المعلومات. وقد رافق ذلك نمط متكرر يتمثل في ربط إسرائيل للصحفيين بجماعات مسلحة، بما يقوّض الحماية التي يكفلها لهم القانون الدولي الإنساني.
كما دفعت التدخلات العسكرية غير القانونية لإسرائيل والولايات المتحدة في إيران السلطات الإيرانية إلى توسيع عملياتها العسكرية لتشمل دول الخليج، ما أدى إلى مزيد من التضييق على الحيز المدني في تلك البلدان. وأصبح الصحفيون الذين يغطون النزاع أكثر عرضة للاستهداف، بما في ذلك الاعتقال والتهديد بسبب عملهم الصحفي، غالباً تحت ذريعة حماية الأمن القومي.
يمكن الاطلاع على مزيد من التفاصيل في علاقة بهذه القضايا هنا.
الاعتقالات المتكررة ومضايقة الصحفيين والصحفيات في المنطقة
يواصل الصحفيون.ات والعاملون.ات في المجال الإعلامي في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا العمل في بيئة تزداد تقييداً، تتسم بالملاحقات القضائية والاعتقالات والقيود المفروضة على عملهم.هن. ففي مختلف أنحاء المنطقة، يتعرضون للترهيب والإجراءات القانونية استناداً إلى نصوص فضفاضة ومبهمة لا تتماشى مع المعايير الدولية المتعلقة بحرية التعبير. وغالباً ما تُستخدم هذه القوانين ضمن نمط أوسع يهدف إلى إسكات الأصوات المعارضة، وقمع الأصوات النقدية، والحد من التغطية الإعلامية للقضايا ذات المصلحة العامة.
في الجزائر، اعتُقل الصحفي عبد العالي مزغيشي يوم 5 فبراير/فيفري على خلفية منشورات على فيسبوك تناولت الغضب الشعبي من سجن شخصيات محلية في مدينة جانت. وفي 9 فبراير/فيفري، أمرت محكمة في الجزائر العاصمة بإيداعه الحبس الاحتياطي بتهم من بينها «نشر محتوى عبر وسائل التواصل الاجتماعي من شأنه الإضرار بالمصلحة الوطنية» و«نشر خطاب الكراهية والعنصرية». ويوجد حالياً ما لا يقل عن ستة صحفيين مسجونين في الجزائر بسبب عملهم الصحفي.
وفي مصر، أُعيد اعتقال الصحفي إسماعيل الإسكندراني في 24 سبتمبر2025 ، ووجهت إليه تهم الانضمام إلى جماعة إرهابية، ونشر أخبار وشائعات كاذبة، واستخدام موقع إلكتروني للترويج لأفكار متطرفة. كما لا يزال رسام الكاريكاتير والصحفي أشرف عمر رهن الاحتجاز على خلفية تهم مشابهة، من بينها «الانضمام إلى جماعة إرهابية» و«نشر أخبار كاذبة» و«إساءة استخدام وسائل التواصل الاجتماعي». وتعكس هذه القضايا نمطاً أوسع من القيود المستمرة على العمل الصحفي في مصر، حيث يوجد ما لا يقل عن 18 صحفياً مسجونا حالياً بسبب عمله الإعلامي.
وفي تونس، لا تزال تشريعات مكافحة الجرائم الإلكترونية وأحكام مجلة الاتصالات تُستخدم لاستهداف الصحفيين ومضايقتهم. فقد اعتُقل الصحفي زياد الهاني يوم 24 أبريل/ أفريل بعد استدعائه أمام الوحدة المركزية الخامسة لمكافحة جرائم تكنولوجيا المعلومات والاتصال بالعاصمة. ويخضع للتحقيق بموجب الفصل 86 من مجلة الاتصالات بسبب منشور على وسائل التواصل الاجتماعي يتعلق بقضية الصحفي خليفة القاسمي. كما حُكم على المعلقة الإعلامية سنية الدهماني يوم 13 أبريل/ أفريل بالسجن لمدة 18 شهراً بموجب الفصل 24 من المرسوم عدد 54، على خلفية تصريحات أدلت بها على شاشة التلفزيون عام 2024. كذلك تم اعتقال الصحفيين برهان بسيس ومراد الزغيدي في مايو/أيار 2024، وصدر بحقهما حكم بالسجن لمدة ثمانية أشهر بتهم تتعلق بنشر أخبار كاذبة والثلب بموجب المرسوم 54 الخاص بالجرائم الإلكترونية. ويواجهان حالياً أحكاماً بالسجن لمدة ثلاث سنوات ونصف بتهم تتعلق بغسل الأموال، في انتظار قرار الاستئناف.
هشاشة هيئات التعديل و التعديل الذاتي
لا يزال غياب أو ضعف الهيئات التعديلية المستقلة في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا يقوض قطاع الإعلام. فوجود بيئة إعلامية حرة وتعددية يتطلب تمكين الفاعلين الإعلاميين من العمل باستقلالية عن سيطرة الحكومات، ضمن أطر تنظيم وتنظيم ذاتي قوية تضمن المساءلة داخل القطاع. وفي الوقت نفسه، ينبغي أن تحمي هذه الأطر الممارسة الصحفية من التدخل غير المبرر من قبل السلطات، بما في ذلك السلطة التنفيذية والقضاء، بما يمكّن وسائل الإعلام من أداء دورها الرقابي وضمان الوصول إلى وجهات نظر متنوعة، خصوصاً بشأن القضايا ذات المصلحة العامة.
غير أن هيئات التعديل والتعديل الذاتي للإعلام تعمل في كثير من الأحيان ضمن قيود هيكلية ومؤسساتية تحدّ من قدرتها على أداء هذا الدور بفعالية. ففي بعض الحالات لا يتم إنشاء هذه الهيئات أساساً، أو تفتقر إلى الاستقلالية الكافية، ما يجعلها عرضة للتحول إلى أدوات مسيّسة تقيد حرية التعبير بدلاً من حمايتها. ففي تونس، ما تزال الهيئة العليا المستقلة للاتصال السمعي والبصري مشلولة بسبب حالة الجمود الإداري والفراغ القيادي المستمر منذ يناير/جانفي 2023، وقد تلقّى رئيسها مراسلة ممضاة من المكلف بمهام كاتب الحكومة بتاريخ 06 فيفري الجاري، تقضي بإحالته على التقاعد بداية من غرة جانفي 2023، تبعاً لانتهاء مدة التسوية للعمل بالقطاع العمومي، دون تعيين خلف له، رغم الدعوات المتكررة إلى الإصلاح.
وفي ليبيا، لا يزال تنظيم الإعلام منقسماً بين سلطات شرقية وغربية، بما يعكس الانقسام السياسي في البلاد وغياب إطار تنظيمي موحد ومستقل.
حتى في الحالات التي توجد فيها هيئات تنظيمية بشكل رسمي، تظل المخاوف المتعلقة بالتدخل السياسي واسعة الانتشار. ففي الجزائر، استبدل قانون النشاط السمعي البصري لسنة 2023 الهيئة التنظيمية السابقة بهيئة جديدة تتكون من تسعة أعضاء يعيّنهم رئيس الجمهورية لمدة خمس سنوات. ويثير هذا النظام مخاوف بشأن الاستقلالية، إذ قد يجعل القرارات التنظيمية عرضة للتأثير السياسي بدلاً من أن تكون موجهة بالمصلحة العامة.
وتتفاقم هذه المخاوف بشكل خاص عندما تُمنح الهيئات التنظيمية صلاحيات واسعة أو غامضة. ففي مصر، يتمتع المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، الذي يعيَّن أعضاؤه إلى حد كبير من قبل الرئيس، بصلاحيات واسعة تشمل حجب المواقع الصحفية والحسابات وصفحات التواصل الاجتماعي التي يتجاوز عدد متابعيها خمسة آلاف شخص، استناداً إلى مبررات لا تتماشى مع المعايير الدولية لحرية التعبير. وفي عام 2025، تم حجب منصة «زاوية 3» المستقلة عقب نشرها تحقيقات صحفية استقصائية. ويُلاحظ نمط مشابه في العراق، حيث لجأت هيئة الإعلام والاتصالات، خصوصاً في مطلع عام 2026، إلى استخدام إجراءات إدارية لإسكات الأصوات الناقدة والحد من الوصول إلى المعلومات المتنوعة. وغالباً ما تُبرَّر هذه الإجراءات بعبارات فضفاضة مثل «حماية السلم الاجتماعي» أو «المعايير المهنية» أو «مكافحة المحتوى الرديء»، ما يفتح الباب أمام استخدامات تعسفية محتملة. وقد وثّق المرصد العراقي لحقوق الإنسان عدداً من هذه الحالات، من بينها منع محللين سياسيين ونشطاء من الظهور الإعلامي بسبب آرائهم.
وفي الأردن، قامت السلطات أيضاً بحجب عدة منصات إلكترونية بزعم «نشر السم الإعلامي» عقب تغطيات تناولت قضايا عامة مرتبطة بالحرب في فلسطين. وتقيّد هذه الإجراءات حق الجمهور في الوصول إلى المعلومات، وتقوض النقاش العام القائم على المعرفة والمساءلة.
أما فيما يتعلق بالتعديل الذاتي، المعترف به دولياً باعتباره النموذج الأمثل لتنظيم الصحافة، فلا تزال آلياته غائبة إلى حد كبير في المنطقة. ففي المغرب، أثارت التطورات التشريعية الأخيرة المتعلقة بالمجلس الوطني للصحافة مخاوف لدى الفاعلين الإعلاميين. فمشروع القانون الحالي، الذي عدلته الحكومة وصادقت عليه عقب قرار المحكمة الدستورية القاضي بعدم دستورية عدد من مقتضيات مشروع القانون رقم 26.25، لا يزال يثير مخاوف لدى منظمة «المادة 19». وتتمثل أبرز هذه المخاوف في آلية التعيين المقترحة ومدى توفيرها لضمانات كافية للاستقلالية عملياً، إضافة إلى الصلاحيات التأديبية للمجلس التي قد تتجاوز حدود العقوبات الأخلاقية المتناسبة.
وفي تونس، يواجه مجلس الصحافة أيضاً حملات عبر الإنترنت تشكك في شرعيته ودوره كهيئة للتنظيم الذاتي. وترتبط هذه التحديات جزئياً بضعف الوعي العام بدور التنظيم الذاتي والمعايير الدولية، بما في ذلك لدى الفاعلين الإعلاميين أنفسهم. وفي الوقت ذاته، يواصل المجلس مواجهة تحديات هيكلية تشمل محدودية الموارد المالية والبشرية، وغياب الاعتراف القانوني الكامل، ما يحدّ أكثر من فعاليته.
استهداف وسائل الإعلام المستقلة
لا تزال وسائل الإعلام المستقلة واحدة من آخر المساحات المتاحة للتغطية النقدية والاستقصائية في المنطقة، لكنها تواجه تحديات متعددة. فقد أدت القيود المالية، وتراجع فرص التمويل، والتغيرات التكنولوجية المتسارعة إلى إضعاف القطاع، فيما تتصاعد المضايقات الإدارية والقضائية بشكل مستمر.
كما تتعرض المؤسسات الإعلامية المستقلة بشكل متزايد لحملات منسقة تهدف إلى تشويه عملها. ففي لبنان، اتهمت حملة رقمية منصات من بينها «درج» و«ميغافون» بتلقي «تمويل أجنبي مشبوه»، ما أدى إلى فتح تحقيق رسمي. وفي تونس، تواجه جمعية «الخط»، التي تدير منصة «إنكفاضة» الاستقصائية، احتمال صدور حكم بحلّها في مايو/ماي 2026 بعد سلسلة من الضغوط المالية والقانونية. ومنذ أواخر عام 2023، تعرضت الجمعية لتجميد متكرر للتمويل، وإجراءات تعليق، واستدعاءات قضائية. أما فيمصر، فلا تزال منصة «مدى مصر» تواجه مضايقات قضائية مستمرة. وقد تم استدعاء رئيسة تحريرها لينا عطا الله للتحقيق في أغسطس/أوت 2025 بعد فترة وجيزة من نشر المنصة تحقيقاً استقصائياً حول ظروف الاحتجاز في سجن بدر 3.
تواصل الصحافة وحرية الإعلام في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا مواجهة تحديات متصاعدة تقوض حق الجمهور في حرية التعبير والوصول إلى تغطية إعلامية تعددية ومتنوعة. وتشمل هذه التحديات أطرًا قانونية لا تتماشى مع المعايير الدولية، وآليات تعديل وتعديل ذاتي ضعيفة ومجزأة، إضافة إلى التهديدات المستمرة التي تستهدف الصحفيين، لا سيما أولئك الذين يغطون النزاعات والحروب.
وعليه، تدعو منظمة «المادة 19» دول المنطقة إلى الانخراط في عمليات إصلاح شاملة وتشاركية تضم جميع الفاعلين في القطاع الإعلامي، بما يضمن الوفاء بالتزاماتها المتعلقة باحترام وحماية وإعمال الحق في حرية التعبير، باعتباره أحد الركائز الأساسية لأي مجتمع ديمقراطي.