في اليوم العالمي لحرية الصحافة، تؤكد منظمة المادة 19 مجددًا حقيقة راسخة في القانون الدولي، لكنها تعرّضت للتقويض بشكل متواصل: الصحفيون والصحفيات ليسوا هدفًا حربيا. وتؤكد المنظمة بشكل خاص أن إسرائيل انتهكت هذا المبدأ مرارًا، قبل أكتوبر 2023 ومنذ ذلك الحين. ندعو إلى وضع حد للإفلات من العقاب على هذه الاعتداءات التي تستهدف الصحفيين والصحفيات، والتي ترقى إلى إسكاتهم في أكثر صوره عنفًا. يجب أن يتمتع الصحفيون والصحفيات بالحرية والأمان لنقل حقيقة ما يجري على الأرض في سياقات النزاع،في كل من فلسطين، لبنان، إيران، دول الخليج، السودان، وأوكرانيا، إلى الجماهير المحلية والإقليمية والدولية، وأن يوثّقوا الفظائع والانتهاكات للقانون الدولي، وأن يرووا تجاربهم وشهاداتهم. ففي ظل النزاعات وأعمال العنف، تقع على عاتق الدول مسؤولية حماية التدفق الحر للمعلومات، لا تقويضه.
ويشير شعار هذا العام لليوم العالمي لحرية الصحافة، «تشكيل مستقبل يسوده السلام»، إلى الدور المحوري لحرية التعبير في بناء عالم أكثر أمانًا، عالم يقوم على الحماية الجسدية والمهنية للصحفيين والصحفيات وصون حرية الصحافة وفقًا للقانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني، وعلى ضمان التدفق الحر للمعلومات.
في عام 2025، سُجّل ما يمكن وصفه بحصيلة قاتمة جديدة، إذ تُظهر بيانات لجنة حماية الصحفيين أن العام كان الأكثر دموية للصحفيين على الإطلاق. فقد وقعت أكثر من ثلاثة أرباع حالات الوفاة الـ 129 في سياقات نزاع مسلح، وكانت الظروف التي يعمل فيها الصحفيون والصحفيات في أوكرانيا والسودان من بين الأخطر عالميًا. ومع ذلك، تبرز إسرائيل كاستثناء لافت، إذ تُنسب إليها مسؤولية ثلثي حالات قتل الصحفيين والصحفيات في عامي 2024 و2025.
ومع استمرار عمليات جيش الدفاع الإسرائيلي في لبنان وفلسطين، وبعد اندلاع الحرب بين إسرائيل والولايات المتحدة من جهة، وإيران من جهة أخرى، يواجه الصحفيون في أنحاء المنطقة مستويات متصاعدة من العنف، تشمل الهجمات والاعتقالات والترهيب والقتل، إلى جانب محاولات متزايدة لتقييد الفضاء الإعلامي. كما تتجلى هذه السيطرة على تدفق المعلومات في لجوء بعض الحكومات إلى قوانين الجرائم الإلكترونية والأمن القومي لاعتقال مدنيين بسبب تصويرهم أو مشاركتهم مقاطع فيديو مرتبطة بالحرب في إيران، وهو ما يؤدي إلى تقليص الفضاء المدني ويمنع تداول معلومات قد تكون حيوية لإنقاذ الأرواح.
سلامة الصحفيين في فلسطين ولبنان تصل إلى أدنى مستوياتها تاريخيًا
قوبلت الهجمات الإسرائيلية الأخيرة على الصحفيين الفلسطينيين واللبنانيين، مثل مئات الهجمات التي نفذها جيش الدفاع الإسرائيلي منذ أكتوبر 2023، بالإفلات من العقاب. ففي 23 أبريل /أفريل، أفادت التقارير أن القوات الإسرائيلية قتلت الصحفية اللبنانية أمل خليل وأصابت المصورة زينب فرج بجروح خطيرة.
ويأتي ذلك بعد مقتل الصحفي الفلسطيني محمد سمير وشاح والصحفيتين اللبنانيتين غادة دايخ وسوزان خليل في وقت سابق من أبريل، إضافة إلى مقتل ثلاثة صحفيين لبنانيين في 28 مارس: علي شعيب، وفاطمة فتوني، ومحمد فتوني. وقد قُتل خليل وشعيب وفاطمة فتوني ومحمد فتوني في ضربات مزدوجة، ما منع فرق الإنقاذ من الوصول إليهم. وقد أكدنا مرارًا منذ 7 أكتوبر 2023 أن الصحفيين مدنيون واستهدافهم يُعد جريمة حرب.
وقد قدمت إسرائيل ادعاءات متكررة وغير موثوقة بأن الصحفيين الفلسطينيين واللبنانيين أعضاء في جماعات مسلحة، وفي بعض الحالات أصدرت تصريحات علنية حول “انتماءات” مزعومة لصحفيين محددين قبل استهدافهم. وأفاد تحقيق مشترك أجرته مجلة+972 و لوكال كول عن وجود “خلية شرعنة”، وهي وحدة متخصصة في الجيش الإسرائيلي مكلفة جزئيًا بـ”تحديد الصحفيين العاملين في غزة الذين يمكن تصويرهم كعملاء سريين لحماس”.
إن تصنيف الصحفيين والصحفيات وتصويرهم كأعضاء في جماعات مسلحة يُستخدم لتقويض عملهم وتقويض الحماية غير القابلة للتنازل التي يكفلها لهم القانون الإنساني الدولي بموجب اتفاقيات جنيف. وهذا لا يؤدي إلا إلى تعميق ثقافة الإفلات من العقاب التي يتمتع بها الاحتلال الإسرائيلي فيما يتعلق بالعنف المرتكب ضد الصحفيين والصحفيات والعاملين في مجال الإعلام في فلسطين.
إغلاق الفضاء المعلوماتي في إيران ودول الخليج
في أعقاب القمع العنيف للاحتجاجات الجماهيرية التي بدأت في إيران في ديسمبر 2025، والتي شملت مقتل ما يُقدَّر بـ 36,500 إيراني وانقطاعًا كاملًا للاتصالات، والتدخل العسكري غير القانوني من جانب إسرائيل والولايات المتحدة في إيران في 28 فبراير/ فيفري، استمر تضاؤل الفضاء المدني في إيران وفي مختلف أنحاء منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، في وقت تُعد فيه المعلومات مسألة حياة أو موت.
في أنحاء المنطقة، يواجه الصحفيون والصحفيات ومستخدمو وسائل التواصل الاجتماعي العاديون الاعتقال والتهديد بأحكام قاسية لمجرد تغطية الصراع أو التعليق عليه، وغالبًا ما يتم ذلك تحت ذريعة حماية الأمن القومي.
استخدمت السلطات في دولة الإمارات العربية المتحدة قانون الجرائم الإلكترونية لاعتقال أكثر من 100 مدني شاركوا محتوى عبر الإنترنت يتعلق بالحرب في إيران. وفي البحرين، حُكم على الصحفي سيد باقر الكامل بالسجن لمدة 10 سنوات بعد نشره مقطع فيديو يُظهر مبنى شاهقًا مشتعلًا، بتهمة “الترويج لمحتوى يُعتبر داعمًا لإيران خلال الحرب مع البحرين، وتصوير ومشاركة صور لبنية تحتية حساسة أثناء نزاع، ونشر مواد متعلقة بالدفاع بشكل غير قانوني”.
وفي الكويت، تم اعتقال الصحفي أحمد شهاب الدين في 3 مارس بعد نشره مقاطع فيديو وصورًا متاحة للعامة توثق الحرب في إيران. واتهمته السلطات بنشر معلومات كاذبة وتعريض الأمن القومي للخطر، إلا أنه تمت تبرئته وإطلاق سراحه في 23 أبريل /أفريل بعد أن سلطت منظمات الصحافة وجماعات الحملة الضوء على قضيته بشكل متكرر.
يجب على المجتمع الدولي التحرك
بمناسبة اليوم العالمي لحرية الصحافة، نحثّ المجتمع الدولي على محاسبة إسرائيل واتخاذ إجراءات حاسمة لحماية الصحفيين والصحفيات الذين يعملون يوميًا في ظل مخاطر لا يمكن تصورها. كما ندعو إلى أن تُولي آليات المساءلة الدولية أولوية للتحقيق في الاستهداف المتعمّد وقتل الصحفيين والصحفيات أثناء النزاعات. ويجب على السلطات الإسرائيلية أن توقف فورًا استهداف الصحفيين والعاملين في وسائل الإعلام، وأن تلتزم التزامًا كاملًا بالقانون الإنساني الدولي.
كما نؤكد أهمية تعزيز تدفّق المعلومات أثناء النزاعات المسلحة بدلًا من تقييده. فاستخدام قوانين الجرائم الإلكترونية أو بنود الأمن القومي الفضفاضة ذريعةً للرقابة يعرقل قدرة الصحفيين على جمع المعلومات ونشرها بصورة موثوقة، مما يؤدي إلى فراغ معلوماتي يسهل ملؤه بالدعاية أو المعلومات المضللة.
وتُعدّ حرية الصحافة ضرورية بشكل خاص أثناء النزاعات، إذ تمثل عنصرًا أساسيًا في تمكين الأفراد الذين يعيشون أوضاعًا شديدة الخطورة من الوصول إلى المعلومات التي تساعدهم على حماية أنفسهم ومجتمعاتهم.
إن حماية الحق في حرية التعبير وحرية الصحافة وسلامة الصحفيين والصحفيات تضمن أن يُنظر إلى السلام والأمن ليس بوصفهما علاقة متقابلة، بل باعتبارهما حالة يُمارَس فيها الحق في البحث عن المعلومات وتلقيها على قدم المساواة، من دون خوف من الانتقام أو العقاب.