تونس: الحكم على الصحفي والكاتب توفيق بن بريك بالسجن لمدة عام يخرق الحق في حرية التعبير

تدين منظمة المادة 19 بشدة سجن الصحفي والكاتب التونسي توفيق بن بريك بتهمة الشتم والثلب والإساءة إلى موظف عمومي على خلفية مشاركته في برنامج تلفزي أثناء الانتخابات الرئاسية الأخيرة التي جرت في صيف 2019 والتي رأى فيها بعض القضاة اعتداء على سمعتهم وكرامتهم.

واعتبر الكاتب توفيق بن بريك خلال برنامج تلفزيوني بتاريخ غرة أكتوبر 2019 إثر صدور قرار قضائي بعدم الإفراج عن المترشح للانتخابات الرئاسية ورئيس حزب قلب تونس نبيل القروي، انه وقع توظيف القضاء التونسي من أجل غايات سياسية إلى جانب اتهامه لبعض القضاة بالفساد والمحسوبية.

وقامت النيابة العمومية بالمحكمة الابتدائية ببن عروس بفتح بحث تحقيقي وعهدت بالملف إلى الفرقة المركزية الأولى بالحرس الوطني بالعوينة لتصدر الدائرة الجناحية بنفس المحكمة حكما غيابيا يقضي بالسجن مدة سنتين على أساس أحكام المجلة الجزائية.
وقام الكاتب توفيق بن بريك بالاعتراض على الحكم الغيابي يوم 23 جويلية 2020 وبمثوله أمام المحكمة قضت بإقرار ثبوت التهمة مع النزول بالعقاب البدني من عامين إثنين إلى سنة واحدة سجنا مع النفاذ العاجل وتم اقتياده إلى سجن المرناقية بتونس.
[1]

يعتبر هذا الحكم انتهاكا صارخا للحق في حرية التعبير وتجاوزا خطيرا لدور القاضي الذي يقع على عاتقه حماية الحقوق والحريات حيث شابت الحكم القضائي عدة خروقات قانونية خاصة في ما يتعلق بالأساس القانوني المعتمد في الإدانة حيث وقع تأسيس الحكم القضائي على أحكام المجلة الجزائية بهدف تسليط عقوبة بدنية على الصحفي توفيق بن بريك واستبعاد المرسوم عدد 115 لسنة 2011 المتعلق بحرية الصحافة والطباعة والنشر الذي يقر في فصله 55 عقوبة الخطية في حالات الثلب والشتم.

كما يعتبر هذا التوجه القضائي في غير محله بما أن المرسوم المذكور ينطبق على جميع قضايا الثلب بدون أي تمييز على أساس صفة المعبر أو وسيلة التعبير أو المستهدف من التعبير. ويتنافى الحكم الصادر عن المحكمة الابتدائية ببن عروس مع حكم حديث صادر عن المحكمة الابتدائية بمنوبة بتاريخ 14 ماي 2020 التي اعتبرت أن المرسوم عدد 115 لسنة 2011 نسخ جميع الأحكام المخالفة له بما فيها الجرائم المتعلقة بالتعبير عن الآراء والأفكار الواردة بالمجلة الجزائية وأن فلسفة المرسوم تقوم على التقليص من العقوبات السالبة للحرية لتكتفي في أغلب الأحيان بعقوبات مالية.

من جهة ثانية، تأسف منظمة المادة 19 لأنّ الحكم المذكور أعلاه لم يحترم المعايير الدولية المتعلقة بالحق في حرية الرأي والتعبير ومن بينها ما ورد بالتعليق العام رقم 34لسنة 2011 الصادر عن اللجنة المعنية بحقوق الإنسان التي أعربت عن قلقها “إزاء القوانين التي تتعلق بمسائل، مثل العيب في الذات الملكية وإهانة الموظف العمومي وعدم احترام السلطات وعدم احترام العلم والرموز، والتشهير برئيس الدولة وحماية شرف الموظفين العموميين وينبغي ألا تنص القوانين على فرض عقوبات أشد صرامة على أساس هوية الشخص المطعون فيه ليس إلا.” ودعت الدول إلى نزع صفة الجرم عن التشهير، وأن لا يكون الإقرار بتطبيق القانون الجنائي إلا في أشد الحالات خطورة، و ألا تكون عقوبة السجن على الإطلاق هي العقوبة المناسبة.
[2]

كذلك يعتبر هذا الحكم القضائي متعارضا مع التزامات الدولة التونسية التي دعمت مشروع قرار جديد متعلق بحرية التعبير والرأي رفقة 54دولة أخرى ووقع إقراره بالإجماع من قبل مجلس حقوق الإنسان بتاريخ 16جوان 2020والذي دعى جميع الدول إلى “احترام الحق في حرية الرأي والتعبير في وسائط الإعلام، ولا سيما استقلال الخط التحريري، وتشجيع اتباع نهج تعددي في التعاطي مع المعلومات وتعدد الآراء، وذلك بوسائل منها تشجيع تنوع ملكية وسائط الإعلام ومصادر الإعلام، بما فيها وسائط الإعلام الجماهيري والامتناع عن استخدام عقوبة السجن أو التغريم بما لا يتناسب مع خطورة الجريمة عندما يتعلق الأمر بالجرائم ذات الصلة بوسائل الإعلام. »
[3]

وتذكّر منظمة المادة 19 بأهمية حرية التعبير في المجتمعات الديمقراطية وخاصة عندما يتعلق الأمر بالنقاشات السياسية حيث تكون حرية التعبير غير خاضعة تقريبا لأي قيد بالنظر لارتباط هذا الصنف من النقاشات بروح الديمقراطية وبدوره في بسط الرقابة على مؤسسات الدولة وكشف الانحرافات التي من شأنها أن تقع من قبل السلط العمومية. ولذلك فإن سجن أحد الصحفيين من أجل آرائه التي عبر عنها تجاه السلطة القضائية في سياق المنافسة الانتخابية يجعل من الحكم القضائي مخالفا لجوهر الحق في حرية التعبير وغير متلائم مع خصوصية النقاش السياسي الذي يشكل عنصرا هاما في تقييم الخطابات ومدى مساسها بحقوق الغير.

على ضوء ما سبق تساند منظمة المادة 19 طلب المنظمات الحقوقية والصحفية والنقابية من أجل الإطلاق الفوري لسراح الكاتب والصحفي توفيق بن بريك والكف عن محاكمة الصحفيين والمدونين وعموم المواطنين من أجل التعبير عن آرائهم ومواقفهم. كما تدعو السلطة القضائية إلى احترام أحكام الدستور التونسي وتجنب التطبيق الانتقائي للقوانين في مجال الحق في حرية التعبير عبر الاقتصار على تطبيق أحكام المرسوم عدد 115 لسنة 2011 المتعلق بحرية الصحافة والطباعة والنشر.

 

 

[1]
وفقا لتصريحات مساعد وكيل الجمهورية والناطق الرسمي باسم محكمة بن عروس يوم 23 جويلية 2020: https://www.ifm.tn/ar/article/%D9%81%D9%86%D9%88%D9%86-%D9%88%D8%AB%D9%82%D8%A7%D9%81%D8%A9/%D8%A5%D9%8A%D8%AF%D8%A7%D8%B9-%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B9%D9%84%D8%A7%D9%85%D9%8A-%D8%A8%D9%82%D9%86%D8%A7%D8%A9-%D9%86%D8%B3%D9%85%D8%A9-%D8%AA%D9%88%D9%81%D9%8A%D9%82-%D8%A8%D9%86-%D8%A8%D8%B1%D9%8A%D9%83-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D8%AC%D9%86-%D8%AA%D8%B3%D8%AC%D9%8A%D9%84/25095

[2]
يراجع دراسة أعدتها منظمة المادة 19 بخصوص مبادئ حرية التعبير وحماية السمعة: https://www.article19.org/wp-content/uploads/2018/02/defining-defamation.pdf

[3]
أنظر تعليق منظمة المادة 19بخصوص قرار مجلس حقوق الإنسان المتعلق بالحق في حرية الرأي والتعبير:
https://www.article19.org/resources/hrc44-un-resolution-on-freedom-of-expression/